أبو الليث السمرقندي

371

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

مُكَلِّبِينَ يعني معلمين . ثم قال : تُعَلِّمُونَهُنَّ يعني تؤدبونهن في طلب الصيد مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ يقول : كما أدبكم اللّه تعالى . وروي عن مجاهد أنه سئل عن الصقر والبازي والفهد ، قال : هذه كلها جوارح ولا بأس بصيده إذا كان معلما . ثم قال : فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ يعني : حبسن عليكم وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ إذا أرسلتم الكلاب على الصيد . وفي هذه الآية دليل أن الكلب إذا كان أكل لا يؤكل لأنه أمسك لنفسه ، وفيها دليل أنه لا يجوز إلا بالتسمية لأنه قد أباح على شرط التسمية ، وعلى شرط أن يمسك لصاحبه ، وفيها دليل أيضا أن الكلب إذا كان غير معلّم لا يجوز أكل صيده ، وفيها دليل أيضا أن العالم له من الفضيلة ما ليس للجاهل ، لأن الكلب إذا علّم يكون له فضيلة على سائر الكلاب ، وأن الإنسان إذا كان له علم أولى أن يكون له فضل على سائر الناس وهذا كما روي عن عليّ كرم اللّه وجهه أنه قال : لكل شيء قيمة وقيمة المرء ما يحسن . ثم خوّفهم فقال : وَاتَّقُوا اللَّهَ أي أخشوا اللّه ولا تأكلوا الميتة ، ولا تأكلوا ما لم يذكر اسم اللّه عليه إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ يعني سريع المجازاة ، وقوله تعالى : الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ يعني المذبوحات من الحلال ، يعني اليوم أظهر وبيّن حله . ثم قال : وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يعني ذبائح أهل الكتاب حِلٌّ لَكُمْ يعني حلال لكم أكله وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ يعني ذبائحكم وطعامكم رخص لهم أكله . وقال الزجاج : تأويله أحل لكم أن تطعموهم لأن الحلال والفرائض إنما تعتمد على أهل الشريعة . ثم قال : وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ يعني أحل لكم تزوج العفائف من المؤمنات وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يعني العفائف من أهل الكتاب مِنْ قَبْلِكُمْ يعني : أعطوا الكتاب من قبل كتابكم ، وهو التوراة والإنجيل ، واختلفوا في نكاح الصابئة ، وقد ذكرناه في سورة البقرة . ثم قال : إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ يعني أعطيتموهن مهورهن مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ يقول : كونوا متعففين عن الزنى وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ يقول : لا تتخذوا خدنا فتزنوا بها سرا ، وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يعيّرون من يزني في العلانية ولا يعيرون من يزني سرا ، فحرم اللّه زنى السر والعلانية ، فلما نزلت هذه الآية قلن نساء أهل الكتاب : لولا أن اللّه تعالى قد رضي بديننا لم يبح للمسلمين نكاحنا ، فنزل وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ قيل : نزل قوله حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ثم رخص من حالة الاضطرار ، فقال بعضهم : لا نأخذ الرخصة من الاضطرار فنزل وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ ويقال هذا ابتداء خطاب ، وهو لجميع المسلمين فقال : وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ قال ابن عباس : يعني من يكفر بالتوحيد بشهادة أن لا إله إلا اللّه فقد حبط عمله . وقال مجاهد : معناه ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله ، يعني بطل ثواب عمله . وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ يعني من المغبونين في العقوبة ، ولهذا قال أصحابنا رحمهم اللّه : إن الرجل إذا صلى ثم ارتد ثم أسلم في وقت تلك الصلاة ، وجب عليه إعادة تلك الصلاة ، ولو